القاضي عبد الجبار الهمذاني
78
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قيل : ألستم قد قلتم إن الوعد والخبر لا يغيران حال المستحق ، فكيف جاز أن تقولوا : إنه تعالى لو أعلمه ذلك لقبح العقاب ؟ قيل له : لم نقل إن العقاب كان يقبح لأجل الوعد فتلزمنا المناقضة ، وإنما قلنا : كان يقبح لأنه قد أغراه بفعل القبيح ؛ فيصير في حكم من بعثه عليه وأمر به في هذا الباب . فإن قال : فيجب لو أعلم المكلف أنه لا يعاقبه العقاب الّذي يستحقه على ما تقدّم من معاصيه / ( ) « 1 » فقط ، ولم يحصل في حكم الإغراء والعقاب ، لا يخرج ما فعله تعالى من أن يكون حسنا ، والإغراء إنما يكون في المستقبل لا في الماضي ، فمتى « 2 » تعين الوعد بعقاب الماضي ، أو ورد الوعد بعد زوال التكليف فهو غير مؤثر في هذا الباب ، ثم ينظر في حسن ذلك أو قبحه بما تقضيه الدلالة . فإن قال : أليس لو دعا المتنبي غيره إلى تصديقه للحيل التي أظهرها فصدقه بعض المكلفين كان يقبح منه أن يذمه ، فلم قلتم : إن الذم يخالف العقوبة في هذا الوجه ؟ قيل له : إن للمتنبى أن يذم هذا المكلف كما يجب على الواعظ إذا أضل غيره فضل أن يذمه ، وكما يجب على إبليس أن يذم من أطاعه ، فليس الّذي أوردته بمسلم . وإنما كان كذلك لأن هذا العاصي لم يؤت فيما فعله من قبل من دعاه وإنما أتى من قبل نفسه ؛ فقد كان الواجب عليه أن لا يقبل .
--> ( 1 ) السطر كله مطموس . ( 2 ) في الأصل : « فمن » .